الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
311
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
وأما المرتبة الرابعة : وهي مرتبة تشخيص بعض مراتبها العلمية الصورية كما أن هذا يوجد في أغلب عوام الناس المحشورين مع العلماء كما لا يخفى . وهنا أمر دقيق من الأسرار فافتح مسامع قلبك ، لكي تعيها ثم افهمها ثم اسأل اللَّه تعالى التوفيق لمعرفتها والعمل بها . وحاصله : أن ذواتهم المقدسة لما كانت عين تجلياته تبارك وتعالى ، وهم المحتملون لحقائق علومه ومعارفه كما تقدم من قوله عليه السّلام : " وحمّلهم علمه ، " أي في عالم الأرواح قبل الأبدان ، فهم عليهم السّلام حينذاك علمه تعالى ومعارفه ، وهم حينئذ علم ما في الواقع ونفس الغيب عن غيرهم حتى الملائكة ، وهذا هو المراد من قوله عليه السّلام فيما يأتي : " واصطفاكم بعلمه وارتضاكم لغيبه واختاركم لسرّه " . فلو قيل حينئذ : لا يعلمون الغيب فله معنيان : أحدهما : أنهم لا يعلمون ما في ذاته المقدسة تبارك وتعالى قال تعالى : قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا اللَّه 27 : 65 ( 1 ) فنفي الغيب عن كلّ ذي عقل بإطلاقه في السماوات والأرض بلحاظ نسبتها إلى ساير الآيات المثبتة للغيب لمن ارتضاه كقوله : إلا من ارتضى من رسول 72 : 27 ( 2 ) الآية ، يقضي بأن الغيب المنفي في هذه الآية المباركة هو الغيب المطلق ، أي ما في ذاته المقدسة غير المتناهية التي هي غيب الغيوب . وثانيهما : أنهم عليهم السّلام حيث يكونون نفس علم الغيب ، فلا غيب لهم في عالم ما سوى سواهم ، فلا محالة لا يعلمون الغيب لنفي موضوعه ، فالنفي من باب السالبة بانتفاء الموضوع وهذا أصل ثابت لهم عليهم السّلام فمهما نفي عنهم الغيب فهو بلحاظ نفي ما في ذاته المقدسة الغائب عنهم عليهم السّلام ومهما ثبت لهم علم الغيب فهو بلحاظ حقيقتهم الأولية النورية ، التي حمّلها اللَّه تعالى علمه فهم نفس الغيب بهذا المعنى .
--> ( 1 ) النمل : 65 . . ( 2 ) الجن : 27 . .